أحمد بن محمد القسطلاني
304
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
وفي صورة الحيات . ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا : " إن بالمدينة نفرًا من الجن فإذا رأيتم من هذه الهوام شيئًا فآذنوه ثلاثًا فإن بدا لكم فاقتلوه " . وفي صورة الكلاب . واختلف في ذلك فقيل : هو تخييل فقط ولا قدرة لهم على تغيير خلقتهم والانتقال في الصور ، وإنما يجوز أن يعلمهم الله كلمات وضربًا من ضروب الأفعال إذا تكلموا بها وفعلوها نقلهم الله تعالى من صورة إلى صورة فيقال : إنهم قادرون على التصوير والتخييل على معنى أنهم قادرون على قول إذا قالوه نقلهم الله من صورة إلى أخرى ، وأما تصوير أنفسهم فذلك محال لأن انتقال الصورة إلى أخرى إنما يكون ينقض البنية . وتفريق الأجزاء وإذا نقضت بطلت تلك الحياة واستحال وقوع الفعل بالجملة ، وكذا القول في تشكل الملائكة وقد ذكر ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي شيبة . قال ابن حجر : بإسناد صحيح أن الغيلان ذكروا عند عمر فقال : إن أحدًا لا يستطيع أن يتغير عن صورته التي خلقه الله تعالى عليها ولكن لهم سحرة كسحرتكم فإذا رأيتم ذلك فأذنوا . وفي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير قال : سئل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن الغيلان . قال " هم سحرة الجن " . ورواه إبراهيم بن هراسة عن جرير بن حازم بن عبد الله بن عبيد عن جابر وصله . وروى الطبراني بإسناد حسن عن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال : " الجن ثلاثة أصناف : صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء ، وصنف حيات ، وصنف يحلون ويظعنون " . ورواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد . وفي حديث أبي الدرداء مرفوعًا : " خلق الله الجن ثلاثة أصناف : صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض ، وصنف كالريح في الهواء ، وصنف كبني آدم عليهم الحساب والعقاب . وخلق الله بني آدم أصنافًا : صنف منهم كالبهائم . قال الله تعالى : { إن هم إلاّ كالأنعام بل هم أضل سبيلاً } [ الفرقان : 44 ] وصنف أجسادهم أجساد بني آدم وأرواحهم أرواح الشياطين ، وصنف في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله " . قال ابن حبان : رواه يزيد بن سفيان الرهاوي عن أبي المنيب عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي الدرداء . ويزيد بن سفيان ضعفه يحيى وأحمد وابن المديني ، واختلف في الجن هل يأكلون ويشربون ؟ والصحيح الذي عليه الجمهور أنهم يأكلون ويشربون ، ويدل لذلك الأحاديث الصحيحة والعمومات الصريحة . منها : حديث أمية بن مخشي عند أبي داود : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالسًا ورجل يأكل ولم يسم حتى إذا لم يبق من طعامه إلا لقمة فلما رفعها إلى فيه قال : بسم الله أوله وآخره فضحك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم قال : " ما زال الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه " . وفي الصحيحين أن الجن سألوه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الزاد فقال : كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدهم أوفر ما يكون لحمًا وكل بعر علف لدوابهم " وفي البخاري أن الروث والعظم طعام الجن . وفي أبي داود : كل عظم لم يذكر اسم الله عليه فالأول محمول على الجن المؤمنين ، والثاني في حق الشياطين . وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب ، وتأول قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله " على المجاز أي أكل يحبه الشيطان ويدعو إليه ويزينه . قال ابن عبد البر : وهذا ليس بشيء ولا معنى لحمل شيء من الكلام على المجاز إذا أمكنت فيه الحقيقة بوجه ما ، وأما قول بعضهم أكل الجن صحيح ولكنه تشمم واسترواح لا مضغ وبلع وإنما المضع والبلع لذوي الجثث فلا دليل عليه ، وكونهم أجسادًا رقيقة لا يمنع أن يكونوا ممن يأكل ويشرب ، وبالجملة فالقائلون إن الجن لا تأكل ولا تشرب إن أرادوا جميعهم فباطل لمصادمتهم الأحاديث الصحيحة ، وإن أرادوا صنفًا منهم فمحتمل ، لكن العمومات تقتضي أن الكل يأكلون ويشربون . وقول الله تعالى : { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان } [ الرحمن : 56 ] يدل على أنه يتأتى من الجن الطمث وهو الافتضاض وهو الجماع الذي يكون معه تدمية من الفرج أو المسيس بالمجامعة ، وكذا قوله تعالى : { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني } [ الكهف : 50 ]